الأربعاء، 10 يونيو، 2015

الأنسان والعقل أ/أبو اياد


 
   من كتاب النمر والثعلب


لسهل بن هارون

فى حوار وزراء الملك مع الثعلب
سأل وزير الملك الأول الثعلبَ : أخبرنى عن الإنسان وحاله ونقصانه وكماله
قال الثعلب : معنى الإنسان العقل
إذا رُزِقَه استحق اسم الإنسان
وإذا عدمه فقد نقص ولا يلزمه إلا اسم الصورة
فإن لحق (اكتسب) بعضا وقصَّر (فقد ) بعضا فهو انسان ناقص
قال الوزير : فأخبرنى عن العقل . أهو شئ إذا نال الانسان أدناه بلغ أقصاه ، أم الناس مستوون أم متفاضلون ؟
قال الثعلب : بل متفاضلون
الوزير : كيف يدعى ذو الحظ اليسير منه باسم ذى الحظ الكبير ، فقيل لهما عاقلان وهما فى العقل متباينان
فهل يقع اللقب الواحد على ذوى الدرجات المختلفة ؟
الثعلب : نعم وهذا ليس بخطأ ، لأن هذه الدرجات المختلفة من جنس واحد ، واللغة تضيق عن هذا
فلو دعوت كل ذى درجة من درجات الجنس الواحد بلقب غير لقب الآخر لطال الكلام فى اللغة وتوزع المعنى المستوجب
للإسم ،، ولكنها شُمِلَت كلها باللقب الواحد ودعت المختلفين فيه باسم واحد
الوزير : فكيف يعرف الناقص من الزائد وقد جمعهما اسم واحد ؟
الثعلب : بالتمييز وكشف المعرفة ، ومثل ذلك ما يُدْعَى به أهل صناعة من الاسم الواحد وهم فيها متباينون فى التفاوت
فيقال بناة ونجارون وتجار وخياطون ولكل واحد منهم على صاحبه فى الصناعة فضل أو عليه له فضل
فالناس كلهم مستوون فيما يلحقهم من النقص فى العقل ، وهم فيما أتوا منه متفاضلون : أحدهم فيه أكثرهم حظا منه
الوزير : كيف مرت هذه الغاية ومنع ذوو العقل بلوغها ؟
الثعلب : لأن الغاية كمال ، والكمال صفة لا تصح إلا للخالق ، ولا يستوى الخالق والمخلوق فى صفته تعالى الله عن ذلك
الوزير : هل تحيط المعرفة بمقدار عقل الانسان حتى إذا أراد واصف أن يصفه لم يجاوزه حده إلى زيادة ، ولم ينقص عنه الى نقصان؟
الثعلب : إن ذلك ثبات المعرفة ، وقد يوجد الانسان ثابت المعرفة بشئ وغير ثابتها بشئ آخر ، وخلال ذلك درجات كثيرة
فلا يقدر على إحصاء ما ثبت فيه معرفة المرء مما لا يثبت إلا للخالق ، وقلوب أولى الألباب وموازين معرفتها لا يزن بها أحد إلا كادت تضعه فى موضع مختلف منهم
وللقلوب بما طوقته من الفهم فضل على الألسن بما طوقته من النطق ، وإن كانت تراجمة القلوب أسمى ، فلو اجتهد واصف فى وصف قائلٍ ما أتى على كنه معرفة قلبه
وليس ذلك لكلال من اللسان يلزمه عيبه ، ولكن الفهم عن المنطق سبب نقصه
الوزير : وما سبب ذلك ؟
الثعلب : اللسان رسول والقلب مُرْسِل ، ولا يقوم الرسول مقام المُرْسِل
وللحديث بقية 
لمتابعة الموضوع من هنا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق